رسوم التسجيل في التوقيت الميسّر ومخالفة الدستور
بقلم: ياسين الأزعر — موظف وطالب باحث في سلك الدكتوراه
احتدم النقاش حول مشروعية رسوم التسجيل والغلو في تحديد قيمتها، حيث نظّم الموظفات والموظفون يوم الأحد 23 غشت 2026 وقفة احتجاجية أمام البرلمان، للمطالبة بإلغاء رسوم التسجيل وعدم إجبارية التوقيت الميسّر، منددين بفرض رسوم تعجيزية قد تحرم الكثير ممن تتوفر فيهم الكفاءة العلمية من استكمال دراستهم في التعليم العالي، خاصة سلكي الماستر والدكتوراه.
فذروة النقاش العمومي حول تلك الرسوم بلغت مداها، وتميّزت بالشد والجذب بين الطلبة الموظفين الذين يدافعون عن حقهم في تعليم مجاني باعتباره حقا دستوريا، وبين مسؤولي المؤسسات الجامعية التي ترى في تلك الرسوم دخلا إضافيا لتمويل البحث العلمي وأداء تعويضات الأساتذة الذين سيشتغلون في إطار نظام التوقيت الميسّر.
وأمام هذا السجال الحقوقي والدستوري، يتعيّن أن نطرح سؤالين مهمين: هل فرض رسوم التسجيل على الطلبة الموظفين مخالف للدستور؟ وهل جانب المشرّع الصواب ولم يكن دقيقا بما يكفي فيما ذهب إليه في المادة 81 من القانون 59.24 المتعلق بالتعليم العالي؟
في بداية الأمر، يجب التذكير بما ينص عليه الفصل 31 من دستور 2011، حيث إن هذا الفصل يحث الدولة والجماعات الترابية والمؤسسات العمومية على توفير مجموعة من الحقوق وتيسير الولوج إليها، من بينها «الحصول على تعليم عصري ميسّر الولوج وذي جودة». وإذا ما أردنا تفكيك هذا الفصل، سنجد أن المشرّع الدستوري لم يكتفِ بمجرد الاعتراف بالحق في التعليم، بل حمّل الدولة والجماعات الترابية والمؤسسات العمومية مسؤولية تفعيل هذا الحق من خلال تعبئة كل الوسائل المتاحة، بما يضمن تعليما عصريا وميسّر الولوج وذا جودة وعلى قدم المساواة.
فالدستور هنا لم يستثنِ الموظفين والموظفات من الاستفادة من حقهم في التعليم، ولم يقل إن الموظف تُفرض عليه رسوم التسجيل ليستفيد من حقه في متابعة دراسته العليا، بل على العكس، ألزم المشرّع الدستوري الجهات المسؤولة بضرورة تيسير الولوج إلى التعليم، وهو ما يثير إشكالات حقيقية بشأن مدى انسجام الرسوم المرتفعة مع مبدأ تيسير الولوج إلى التعليم. فهل مبلغ 20000 درهم في السنة بالنسبة لسلك الدكتوراه يعتبر تيسيرا للولوج إلى التعليم بالنسبة لموظف يتقاضى أجرا شهريا قدره 4000 درهم، أو أجير يتقاضى 3500 درهم؟
وفي محاولة لمقاربة المادة 81 من القانون 59.24 المتعلق بالتعليم العالي، التي تنص على أنه:
«لمؤسسات التعليم العالي أن تنظم تكوينات مؤدى عنها في إطار التكوين الأساسي الملقّن في توقيت ميسّر والتكوين المستمر. تُنظّم التكوينات الأساسية المعتمدة، في إطار التوقيت الميسّر، لفائدة العاملين بالقطاعين العام والخاص وكل الأشخاص الراغبين في ذلك. ويُختتم التكوين المستمر بشهادات خاصة، تسلّمها مؤسسة التعليم العالي المعنية، ويُشار فيها وجوبا إلى عبارة (تكوين مستمر)».
إن المادة أعلاه، وعند إخضاعها لمشرحة المطابقة الدستورية، تثير تساؤلات بشأن مدى انسجامها مع مقتضيات الفصل 31 من الدستور، باعتبار التعليم حقا دستوريا، وأن المسؤولين عن قطاع التعليم العالي عليهم تيسير الولوج إلى تعليم عصري ذي جودة على قدم المساواة بين المواطنات والمواطنين. لكنها، من خلال تخصيص العاملين بالقطاعين العام والخاص بالتكوين الأساسي في إطار التوقيت الميسّر المؤدى عنه، قد رتّبت أثرا يتمثل في إخضاع استفادتهم من التكوين لشروط مالية مختلفة عن باقي الطلبة، ما يدفعنا إلى القول بما يلي:
- المادة 81 من القانون 59.24 المتعلق بالتعليم العالي تثير شبهة مخالفة الدستور، من حيث اعتبار التعليم حقا دستوريا يستفيد منه الجميع على قدم المساواة، وهو ما قوّضته عبر تخصيص العاملين بالقطاعين العام والخاص بالتكوين الأساسي الملقّن في إطار التوقيت الميسّر المؤدى عنه، ما يرتّب عمليا تقييد إمكانية استفادتهم من التكوين الأساسي، ويجعل وضعهم مختلفا عن باقي الطلبة، وهو ما يثير إشكالا حقيقيا في ضوء مبدأ المساواة وتكافؤ الفرص وأحكام تيسير الولوج إلى التعليم المنصوص عليها دستوريا؛
- صيغة هذه المادة فضفاضة، ما جعل قرارات المسؤولين عن الجامعات تتسم بالغلو في تحديد الرسوم، كتحديد 20000 درهم بالنسبة للدكتوراه، وهو ما يطرح سؤالا جوهريا: ما مصير أطروحة لم تستوفِ الشروط المطلوبة وقد أدى صاحبها كل مستحقاته؟ هل ستتم مناقشتها أم سيتم رفضها؟ وإذا تم رفضها، هل ستُرجع المبالغ المسددة للطالب الموظف أم لا؟
إن فرض رسوم التسجيل بهذا الشكل المبالغ فيه، خاصة في سلكي الماستر والدكتوراه، يقوّض الضمانات الدستورية المرتبطة بالحق في التعليم وتيسير الولوج إليه على قدم المساواة بين المواطنات والمواطنين، ويكرّس منطق الزبون والخدمة دون مراعاة للكفاءة العلمية. بالإضافة إلى ذلك، فحتى في حالة محاولة الجامعات تنويع مصادر دخلها، يجب عليها أن تراعي التفاوتات في أجور المستخدمين والموظفين؛ فمن يتقاضى 5000 درهم شهريا لن يكون بمقدوره متابعة تعليمه وإن كان يتّسم بالكفاءة، وسيُحرم من حق أساسي أقرّته المواثيق الدولية وكرّسته الوثيقة الدستورية. لذلك، يجب إعادة النظر في فرض هذا النمط وتكييفه مع الحق الدستوري واحتياجات تمويل الجامعات، دون المساس بالقدرة المالية للموظفين والموظفات ورغبتهم في متابعة دراستهم.
إن ما يمكن الختام به في هذا المقام هو طرح تساؤل مهم مفاده: هل يمكن اعتبار تعليم «ميسّر الولوج» إذا كانت كلفة الولوج إليه مرتفعة إلى حد يجعلها خارج القدرة المالية لشريحة واسعة من الموظفين والأجراء؟
المصدر: مقال رأي بقلم ياسين الأزعر، موظف وطالب باحث في سلك الدكتوراه.
التعليقات ( 0 )